محمد متولي الشعراوي

6256

تفسير الشعراوى

قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ « 1 » إذن : فالحق سبحانه لم يقصّر مع الخلق ، فقد خلق لكم العقول ، وكان يكفى أن تفكّروا بها لتؤمنوا من غير مجىء رسول ، وكان على هذه العقول أن تفكر في القوىّ الذي خلق الكون كله ، بل هي التي تسعى لتطلب أن يرسل لها القوىّ رسولا بما يطلبه سبحانه من عباده ، فإذا ما جاء رسول ليخبرهم أنه رسول من اللّه ويحمل البلاغ منه ، كان يجب أن تستشرف آذانهم لما يقول . إذن : كان على العباد أن يهتدوا بعقولهم ؛ ولذلك نجد أن الفلاسفة حين بحثوا عن المعرفة ، قالوا : إن هناك « فلسفة مادية » تحاول أن تتعرف على مادية الكون ، وهناك « فلسفة ميتافيزيقية » « 2 » تبحث عما وراء المادة . فمن أعلم الفلاسفة - إذن - أن هناك شيئا وراء المادة . وكأن العقل المجرد ساعة يرى نظم الكون الدقيقة كان يجب أن يقول : إن وراء الكون الواضح المحسّ قوة خفية . ولم يذهب الفلاسفة إلى البحث فيما وراء المادة ، إلا لأنهم أخذوا من

--> ( 1 ) الوكيل : الكفيل الموكل بأرزاق الناس وأمورهم ، والحفيظ الذي يحفظ أعمال الناس . قال سبحانه : . . وَما جَعَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً وَما أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ ( 107 ) [ الأنعام ] ، وقد نفى اللّه سبحانه هذا عن نبيه ورسوله محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . ( 2 ) الفلسفة : لفظ يوناني ومعناه البحث عن الحقيقة . والميتافيزيقا : ما وراء الطبيعة والكون . أي : الغيبيات التي لا تخضع لقوانين المادة .